الأقصى في مواجهة تصعيد متدرج.. من طقوس الأعياد إلى مخطط الهيكل

الأقصى في مواجهة تصعيد متدرج.. من طقوس الأعياد إلى مخطط الهيكل
تقارير وحوارات

عزة/دعاء الحطاب:

لم تعد اقتحامات المسجد الأقصى تقتصر على تزايد أعداد المستوطنين، بل باتت تترافق مع تصعيد في الطقوس التلمودية ومحاولات فرض مظاهر دينية يهودية داخل ساحاته، في مشهد يعكس اتساع الممارسات الرامية إلى تغيير واقع المسجد وهويته.

وخلال موسم الأعياد اليهودية الأخير، الذي امتد لأسابيع، شهد الأقصى اقتحامات متكررة و طقوساً دينية للمستوطنين، جرت وفق ترتيبات حددت أوقاتها ومساراتها داخل ساحاته، ما أعاد المخاوف من استغلال هذه المواسم لتكريس وقائع جديدة داخل المسجد، وتوسيع نطاق الممارسات التي تتجاوز حدود الاقتحامات المعتادة.

ولا تقف دلالات هذا التصعيد عند حدود ما شهدته ساحات الأقصى خلال أيام الأعياد، بل تتصل بمخاوف أوسع بشأن مستقبل المسجد، في ظل دعوات إسرائيلية لإقامة الهيكل المزعوم مكانه، وتحذيرات من أن تتراكم هذه الممارسات لتفرض واقعًا جديدًا يصعب فصله عن الصراع على هوية المكان ووضعه القائم.


تكريس حضور ديني يهودي


يرى المختص في شؤون القدس زياد ابحيص أن موسم الأعياد اليهودية الأخير شهد تصعيداً نوعياً في المسجد الأقصى، لم يقتصر على ارتفاع أعداد المقتحمين، بل امتد إلى توسيع نطاق الطقوس التوراتية داخل باحاته، في سياق ما وصفه بمحاولة فرض هوية دينية يهودية موازية لهويته الإسلامية.

وأوضح ابحيص خلال حديثه لـ"الاستقلال"، أن شرطة الاحتلال مكّنت المستوطنين من أداء طقوس متعددة مرتبطة بالأعياد، شملت نفخ البوق، وقراءة صلوات الاستغفار والتمجيد، وإدخال القرابين النباتية، إلى جانب توسيع ممارسات السجود الجماعي ورفع الأعلام، وترديد الأغاني ذات الدلالات المرتبطة بالهيكل المزعوم، مؤكداً أن هذه الممارسات تتجاوز الطابع الموسمي للاقتحامات، وتسعى إلى تكريس حضور ديني يهودي داخل المسجد الأقصى بالقوة.

وأشار إلى أن شرطة الاحتلال وسّعت، خلال موسم الأعياد، إجراءات تمكين المستوطنين من أداء طقوسهم، ومنها توزيع كتب الصلوات على عدد من الحاخامات وقادة الصلوات، والتغاضي عن إدخال شالات الصلاة بألوان مختلفة، معتبرًا أن هذه الخطوات تعكس تنسيقًا بين الشرطة والجماعات الداعية إلى بناء الهيكل المزعوم.

ولفت ابحيص إلى أن التصعيد لم يقتصر على باحات المسجد، بل امتد إلى محيطه وأبوابه، حيث توسعت بؤر أداء الطقوس الدينية في عدد من المواقع المحيطه، من بينها "أبواب القطانين والسلسلة وحطة والأسباط"، بما يقيّد، وفق تقديره، وصول المصلين الفلسطينيين وحركة الأسواق والحياة اليومية في البلدة القديمة.
ونوه إلى تحركات تستهدف فتح الأقصى أمام اقتحامات المستوطنين أيام السبت، ونقل الطقوس التوراتية إلى محيط مقبرة باب الرحمة شرقي المسجد.

وحذّر ابحيص من أن تواصل هذه الخطوات قد يفتح المجال أمام فرض تغييرات أوسع في واقع المسجد، وصولًا إلى محاولة تقسيمه مكانيًا، مشيرًا إلى أن الساحة الشرقية باتت محورًا مهمًا في هذه التحركات. كما نبه إلى تصاعد القيود المفروضة على التوثيق الإعلامي داخل الأقصى، معتبرًا أن الحد من التصوير وملاحقة الموثقين يسهمان في حجب جانب من الممارسات التي تجري خلال الاقتحامات.

وحذر ابحيص من أن استمرار هذه الممارسات قد يمهد لخطوات أوسع تستهدف تغيير واقع المسجد الأقصى وتقسيمه مكانياً، مشيرًا إلى أن الساحة الشرقية باتت محوراً مهماً في هذا السياق.

كما نبه إلى ما وصفه بالتعتيم الإعلامي على ما يجري داخل الأقصى، نتيجة القيود المفروضة على التصوير وملاحقة من يوثقون الاقتحامات، الأمر الذي يحدّ من وصول الرواية الميدانية إلى الجمهور.

وبحسب الأرقام التي أوردها ابحيص نقلًا عن محافظة القدس، بلغ عدد المستوطنين الذين اقتحموا المسجد الأقصى خلال موسم الأعياد 11,409 مستوطنين على مدى ثلاثة أسابيع، بينهم 9,123 خلال الأيام الخمسة الأخيرة. لكنه شدد على أن قراءة ما جرى لا ينبغي أن تتوقف عند الأرقام، بل يجب أن تشمل طبيعة الطقوس التي رافقت الاقتحامات وما تحمله من مؤشرات على السعي إلى تغيير هوية المسجد وواقعه القائم.


إقامة الهيكل المزعوم


وفي قراءة لأبعاد التصعيد في المسجد الأقصى، أكد المختص في شؤون القدس زياد الحموري أن الاقتحامات المتكررة وما يرافقها من ممارسات للمستوطنين تأتي في سياق مساعٍ إسرائيلية متدرجة لفرض واقع جديد داخل المسجد، تتجاوز تكريس التقسيم المكاني والزماني، وتمضي نحو تحقيق الهدف الأوسع المتمثل في إقامة الهيكل المزعوم مكانه.

وبين الحموري خلال حديثه لـ "الاستقلال"، أن اقتحامات المستوطنين تجري يومياً وفق ترتيبات تضعها شرطة الاحتلال، من حيث التوقيت والمسارات داخل ساحات المسجد، بالتوازي مع ممارسات تشمل إقامة الصلوات التلمودية والأعراس، في مساعٍ متواصلة لتوسيع الوجود الاستيطاني داخل الأقصى وفرض وقائع جديدة في ساحاته.

ويحذّر من خطورة ما أشار إليه بشأن قرارات للمحكمة العليا الإسرائيلية تتعلق بالتعامل مع ساحات المسجد باعتبارها أماكن عامة، معتبرًا أن مثل هذه التوجهات قد تفتح المجال أمام توسيع دخول المستوطنين إليها، وتغيير طبيعة التعامل مع المكان ووضعه القائم.

ويضع الحموري هذه التطورات في إطار مخطط أوسع، يهدف لإقامة الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى وقبة الصخرة، مستدلاً على ذلك بتداول مقاطع مصورة تعرض تصورات لإقامة الهيكل في الموقع، إلى جانب وجود مجسمات له في مؤسسات إسرائيلية رسمية، من بينها الكنيست والمطار، معتبرًا أن هذه المؤشرات تعكس حضور مشروع الهيكل في الخطاب والممارسات الإسرائيلية.

ويستحضر الحموري محاولات سبقت السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قال إنها عكست توجهًا جادًا للدفع بمشروع الهيكل، محذرًا من أن تزامن الاقتحامات مع المساعي الرامية إلى تغيير واقع ساحات المسجد يستدعي قراءة هذه التطورات باعتبارها مسارًا متدرجًا، لا أحداثًا منفصلة.

التعليقات : 0

إضافة تعليق